عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
50
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
واعلم كذلك أنك لا تترك كما تكون ، فإذا تعطل شبابك انسد عليك باب النطق والبصر والسمع واللمس والذوق جملة ، فلا أنت تسر بحياتك ، ولا أحد يسر بك ، وتصير وبالا على الناس ، فالموت خير من مثل تلك الحياة ، ومثل عمر الإنسان كمثل الشمس ، وشمس الشبان في أفق المشرق وشمس الشيوخ في أفق المغرب كما قلت : قطعة كيكاوس يا من صرت عاجزا في كف الشيخوخة ، تهيأ للرحيل فقد أقبلت الثالثة والستون ، لقد شارف يومك صلاة العصر على كل حال ، ويقبل الليل سريعا ، إذا حلت صلاة العصر . * * * لهذا السبب لا ينبغي أن يكون الشيخ بعقل وفعل الشباب ، وكن دائما رحيما بالشيوخ لأن الشيخوخة مرض لا يذهب أحد لعيادته ، والشيخوخة علة لا يعرف أي إنسان لها دواء إلا الموت ، ولهذا لا يستريح الشيخ من ألم الشيخوخة ما لم يمت ، وكل علة تصيب الإنسان إذا لم يمت بها يصح منها إلا علة الشيخوخة ، فإنها كل يوم تزداد سوءا ولا يرجى منها الشفاء . ومما قرأت في الكتاب : أن الرجل حتى الرابعة والثلاثين يزداد كل يوم في القوة والتركيب ، وبعد ذلك حتى الأربعين يبقى هكذا لا يزيد ولا ينقص ، كالشمس وقد بلغت كبد السماء ، فصارت بطيئة السير حتى وقت الغروب ، ومن الأربعين حتى الخمسين يرى كل عام في نفسه نقصانا لا يكون قد رآه في السنة الماضية ، ومن الخمسين حتى الستين يجد كل شهر في نفسه نقصانا لا يكون قد وجد في الشهر الماضي ، ومن الستين حتى السبعين يرى كل أسبوع في نفسه نقصانا لا يكون قد رآه في الأسبوع المنصرم ، ومن السبعين إلى الثمانين يرى في نفسه نقصانا لم يكن قد رآه بالأمس ، وإذا جاوز الثمانين يرى في نفسه كل ساعة ألما وعناء لا يكون قد رآه في الساعة الأخرى . وحد لذة العمر إلى الأربعين ، فإذا انقضت الأربعون فقد جلس على درجة السلم العليا ، فتهبط كلما صعدت من غير شك ، ثم يقنع الإنسان بأن يرى في كل ساعة ألما وعناء لم يكن موجودا في الساعة الماضية ف ( يا ولدى ويا قرة عيني ) لقد أطلت شكاية الشيخوخة إليك لأن منها عنائي ، ولا عجب فالشيخوخة عدو لي ، ومن العدو يكون موضع الشكوى ، كما قلت : بيت إذا شكوت منها فلا تعجب منى * لأنها بلائي والشكوى تكون من البلاء * * * ويشتكى من الأعداء لأحب إنسان ( أرجو من الله عز وجل ) أن تبث هذه الشكوى لابنك ، ولي في هذا المعنى بيتان .